لأعمال الفنية التشكيلية للرسامة المغربية الريفية مونة مزياني نموذجا .. الدكتور بوزيان موساوي يكتب عن التشكيل كعلامات للغة الألوان: بين الآثار الانفعالية و التمثل الوجودي و البعد الجمالي

ذ. بوزيان موساوي

1 ـ اعتبارات منهجية لمقاربة نقدية للفن التشكيلي:

1 ـ بطاقة تعريف:
تقديم بطاقة تعريف عن الفنانة يفترض أن أستعرض في سطور كل ما يتعلق بالصديقة الأستاذة الفنانة مونة مزياني … لكني سأكسر العادة… ما كنت أعرفها رسامة، بل شاهدتها ممثلة موهوبة تؤدي دورا رئيسيا في إحدى الأشرطة الدرامية التلفزية المغربية.. كنت أتصفح ما قالته الصحافة المحلية عن موطن عشقته ـ مدينة الناضور ـ ، و إذا بي أقرأ مقالا ت عن مسيرتها الفنية… سألتها: من أنت؟.. أجابت: امرأة ريفية…. و تساءلت كيف لامرأة ريفية أمازيغية مغربية حفيدة حضارات نوميديا، و روما، و قرطاج، و فينيقيا و و الأندلس و الشام و اليمن و الحبشة… و ابنة عادات و تقاليد جد محافظة ريفية نادرا ما أسندت في معيش طقوس أهلها دور البطولة للمرأة، و لا حتى تم اعتبار ماهيتها كإنسانة… أن يكون لها وجود و كنه و وظيفة… و سألتها: و ما هي مهنتك؟… أجابت: ممرضة.. و ممثلة، و رسامة، و كاتبة سيناريو، و شاعرة… أنا فنانة… و سألتها: و من تكون المرأة فيك؟… أجابت: أنا كل النساء الريفيات الأمازيغيات اللواتي رسمت ماضيهن، وحاضرهن، و غدهن في لوحاتي… و الرجل عندي قضية مؤجلة… الفن حياتي… لأجله نذرت كياني و وجودي..

2ـ اعتبارات منهجية لمقاربة نقدية للفن التشكيلي:

و لكي اقرأ لوحاتها، في انتظار أن أقدمها لقرائي كفنانة متكاملة عبر مقالات أخرى، استأنست ببعض أدبيات نقد الفن التشكيلي بصفتي قارءا وعاشقا للفن الجميل.. و للتذكير، و من منطلق هذا السياق:هناك من نقاد الفن التشكيلي من أسسوا لمنهج مقاربة الأعمال التشكيلية باعتمادهم النقد بواسطة القواعد والمعايير الخاصة بالقيمة، وله ثلاثة أنواع : المقاربة الاستقرائية، و والمقاربة الإستنتاجية أو الاستدلالية، والطريقة التداخلية ، و النقد الانطباعي أي هو الحالة النفسية للمتلقي أو الجمهور وله طريقتين: الإعتناقية و الظواهرية، و النقد الشكلي وله طريقتين: الطريقة النقدية الاكتشافية و الطريقة الوصفية، و النقد السياقي ويعتني بالسياق الذي ظهر فيه العمل الفني والظروف المحيطة به . وهو على طريقتين: القصدي، والمبني على سيرة الفنان…

نحترم هذه التصورات المنهجية، و نوصي طلابنا بالأخذ بها، لكن،، وبعد توصيات ندوة صالون أكادير الثالث للفن المعاصر يوم الخميس 14 يوليو 2016 حول «النقد التشكيلي وفنون ما بعد الحداثة»، و التي سعت أوراقها التداولية لمعرفة مدى مسايرة النقد التشكيلي لتطوُّر الفنون التشكيلية في العالم، وكذلك قدرة هذا النقد على تجديد أدواته ليكون فاعلاً ومواكباً لفعل الإبداع أو متجاوزاً له، ولاسيما النقد العربي المعاصر بعد أحداث «الربيع العربي» الدراماتيكية خاصة، والانفتاح المهول على زمن «الملتي ميديا» المتسارع بإمكاناته اللامتناهية ، تبين أكثر من ذي قبل بأن دراسة الفن لا يجب أن تركز اولا و أخيرا على العمل الفني ذاته (اللوحة).كما المنهج النقدي الذي ظهر في فرنسا معتمدا شرح (اللوحة) لأجلها، وكما ظهر في المانيا منهج (التحليل الشكلي) وفي روسيا منهج (الشكلانيين) وفي انكلترا منهج اختراق اللوحة ومن ثم المنج البنيوي والسيميائي والتداولي والتفكيكي… نعم للمنهج السيميائي الذي يتأسس على دراسة دالات و مدلولات العلامات في اللوحات الفنية التشكيلية، ظاهرها و باطنها، لكن لما يتعلق الأمر بلوحات أمازيغية الالهام و المضمون و الزمكان… و بلوحات تغذي رونقها و جمالية تعابيرها أشعة شمس البحر الأبيض المتوسط، و بثقافة الزي، و الاشارة، و تمثل الفضاء جبلا كان أو سفحا، بادية كان أو حاضرة، جافا كان بحريا منعشا… هنا يكون لعلم دراسة العلامات ـ السميولوجيا ـ دوره لتفكيك العلامة ليس كبنبة مستقلة، بل كمرآة للواقع الذي أنتجها و هي انعكاسات له… كما هو الحال في لوحات مونة مزياني…
3ـ التشكيل علامات عند الرسامة الريفية مونة مزياني: 
و لأن الفنانة التشكيلية الرسامة المغربية من أصول ريفية، و تسكن مدينة الناظور ـ باب أوروبا ـ المطلة على البحر الأبيض المتوسط، فلقد ورثت بالفطرة جينات التواصل بالرمز بحمولته الثقافية و الحضارية المحلية، و اكتسبت أبجذيات تماثلية الألوان (الأضواء) ببريقها و ظلالها و حرارتها و رطوبة أجوائها، و راعت بالتالي تأثيث الفضاء المجرد بأشكال هندسية و إكسيسوارات و وجوه محلية .. و عابرة للقارات… هي كلها علامات ، لا يمكن إلا لدارس علم السيميائيات تفكيك إيحاءاتها… و لا يمكن إلا لدارس علم الاجتماع تحليل دلالاتها… و لا يمكن إلا لمتخصص في علم النفس التحليلي فك العزلة عن المسكوت عنه، و المكبوت فيها…

 

3 ـ 1 ـ العلامات ممارسة فن الرسم كردة فعل انفعالية:

مونة مزياني فنانة عصامية التكوين في مجال التشكيل، و ترسم بالفطرة… لكن الفن عندها ليس مجرد هواية ، و لا ملء فراغ.. هو مجموعة علامات، بالمعنى السيميائي للعلامة، (و العلامة (signe) قد تكون لغوية، أو أيقونية، أو حركية).. و تكون على شكل دال (signifiant )و لها مدلول (signifié)… 
و اللغة في لوحات مونى مزياني أصوات تصرخ في صمت لنساء حكم قدرهن الجغرافي أن يعشن في الهامش بدون آفاق انتظار واضحة المعالم… هي لوحات ناطقة، و لسان حالها رفض واقع مزر و جاثم على القلوب التعيسة.. 
كتب أحد الباحثين يقول:
“علاقة اللغة بالرسم علاقة لا متناهية، لأن الكلمة غير كاملة وتقع إزاء المرئي في عجز تجهد عبثًا لتجاوزه، لأنهما لا يُمكن أن يُختزل أحدهما الآخر، فعبثًا نقول ما نراه، لأن ما نراه لا يسكن أبدًا فيما نقول، وعبثًا عملنا على أن نجعل الآخرين بالصور والإستعارات والمقارنات يرون ما نقوله الآن”.
و الأيقونة ـ بمعنى الصورة/ الرمز ـ عندها تمظهرات يتجاوز المستطيل و المربع و الدائرة و القوس فيها الأشكال الهندسية المعروفة، و كأننا أمام فضاء مغلق يحاكي انغلاق الواقع/ الأمل/ الحلم المنشود لشخوص اللوحات، و للمحيط الذي يأويهم: مدينة الناظور بقراها و مدنها… بتراثها الأصيل، و بأكسيسوارات العالم المعاصر فيها…
و الحركية، هي ذاك الهاجس بداخل الفنانة الرسامة أن تحول ، بتحريك ريشة منفعلة و منتفضة ، ما مسخ سكونا و جمودا إلى ما يشبه التعبير بالحواس الخارجية منها و الداخلية عن إرادة ظلت مكبوتة لعقود تنادي من به صمم أن يتحرك لأجل تغيير ممكن أو محتمل… 

3 ـ 2 ـ العلامات ممارسة فن الرسم كتمثل وجودي فلسفي:

” أنا أرسم، إذن أنا موجودة”… هي عبارة بمثابة “كوجيطو” بالنسبة للفنانة مونة مزياني.. و في سيلق مماثل لأفكار الفنانة مونة، كتب الباحث سليمان السلطان:
” جوهر الجمال و الفن… تعبير تلقائي عن روح الانسان، تدفعه إلى ذلك غريزة قارة في طبيعته البشرية، التي تنحو به إلى التعبير عن ذاته تعبيرا جماليا، فيقوم بإبداع هذه العاطفة في المادة المحسوسة، لتبقى بعد أن يفنى..”
لكن فن الرسم كتمثل فلسفي وجودي عند مونة مزياني، و إن التقى مع الفكر الوجودي بخصوص مفهوم الحرية (لا يتحدد الوجود الإنساني في الفكر الوجودي إلا بوصفه وجوداً ذاتيا حراً، بل هو الحرية نفسها. لذلك تعلن الوجودية تحررها على كل محاولة لإخضاع الإنسان للحتمية الاجتماعية أو للموضوعية العلمية)، إلا أنه ـ كما تعبر فنانتنا عن ذلك ـ الحرية لا تلغي الهوية، و لا تلغي الحتمية الاجتماعية… الحرية عبر لوحاتها المختلفة ينطلق من نفض غبار تمثل المجتمع للمرأة الريفية الأمازيغية عبر قرون خلت، و بالتحرر من آفة الفقر، و التهميش، و التحكم، و بإرساء ثقافة الاعتراف. الرسم بالنسبة لها إثبات وجود، بمعنى الانعتاق من تموقع في أسفل درك.. و السعي لضمان الحد الأدنى من الكرامة الانسانية…

3 ـ 3 ـ العلامات تمظهرات فن الرسم كبعد جمالي:

لا ترسم الفنانة مونة مزياني فقط لاثبات وجود، أو لتبليغ رسالة… هي قبل كل شيء فنانة ( رسامة و ممثلة و شاعرة و كاتبة سينوغرافيا…)، و الفن ـ رغم استحالة تحديد تعريف واحد وقار له ـ لكن قد نتفق مع من عرفوه ك ” موهبة ولغة استنثنائيّة تتيح للفرد التعبير عن ذاته، كترجمة الأحاسيس والصراعات التي تحدث في أعماقه الجوهريّة”…، بجمالية تتمتع بها الحواس المادية منها و المعنوية.. و لا تكمن جمالية لوحات الرسامة مونة مزياني في اختيار مواضيع لوحاتها، و تأثيث فضاءات ابداعاتها بأشكل أو شخوص معينة فحسب…، بل أيضا في اختيار الألوان الحية البهية الساطعة، و هي نفسها الألوان التي لا تزخر بها استثناءا إلا شواطئ المتوسط و سماء مدينة الناظور و جبال الريف المغربية الشامخة..

و لنا عودة للموضوع

ذ. بوزيان موساوي: كاتب من المغرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المستحيل ليس ناظوريا .. هلال اليد يتحدى الصعوبات و يواصل الزحف نحو المقدمة و حسنية كرسيف أخر ضحاياه

مازوجة سيتي _ كريم الورداني   واصل نادي هلال الناظور لكرة اليد ، سلسلة نتائجه ...